المقريزي
177
المقفى الكبير
وأربعين وستّمائة بالقاهرة ، ودفن بسفح المقطّم من القرافة . وولي بعده القضاء جمال الدين يحيى « 1 » . وكان فقيها شافعيّا عارفا بالمذهب ، أحد الفضلاء المشهورين إلّا أنّه الغالب عليه العلوم العقليّة فإنّه كان نظره فيها أمكن من نظره في الفقه . وكان إماما في علم الأصول والمنطق ، حكيما متميّزا في الفلسفة ، كثير التحصيل ، قويّ الاشتغال ، بلغ الغاية في أكثر العلوم ، وأفتى ودرّس . وصنّف كتاب الجمل في المنطق « 2 » ، وكتاب الموجز في المنطق ، وكتاب كشف الأسرار في المنطق ، وكتاب أدوار الحميّات . وحكي عنه أنّه قال عند موته : أموت وما عرفت شيئا إلّا علمي بأنّ الممكن مفتقر إلى ممكن - ثمّ قال : الافتقار وصف سلبيّ ، فأنا أموت وما عرفت شيئا . وقد ذكره الفاضل أحمد بن أبي القاسم بن أبي أصيبعة في كتاب طبقات الأطبّاء فقال : هو الإمام العالم العامل ، الصدر الكبير الكامل ، سيّد الحكماء والفضلاء ، أوحد زمانه ، وعلّامة أوانه ، قد تميّز في العلوم الحكميّة ، وأتقن العلوم الشرعيّة . اجتمعت به بالقاهرة ، ووجدته الغاية القصوى في جميع العلوم . وقرأت عليه بعض كلّيّات القانون لأبي عليّ ابن سينا . وكان في بعض الأوقات يعرض له انشداه خاطر لكثرة انصباب ذهنه إلى العلم وتوفّر فكرته فيه . فممّا وقع له في ذلك أنّه جلس عند السلطان وأدخل يده في رزّة « 3 » هناك ونسي روحه في الفكرة التي هو فيها ، فنشبت إصبعه في الرزّة ، وقام القوم وهو جالس قد عاقته عن القيام ، فظنّ السلطان أنّ له شغلا قد أخّره فقال : أللقاضي حاجة ؟ قال : نعم : تفكّ إصبعي . فأحضر السلطان [ حدّادا ] حتّى خلّصها ، فقال : كنت أفكّر في بسط هذا الإيوان بهذه البسط ، فوجدته يتوفّر فيه بساط إذا ما بسط على ما في ذهني . فنزعت البسط ، وفرشت كما أشار ، ففضل منها بساط . وعدّ هذا من غامض معرفته [ 162 ب ] بالمساحة ودقيق نظره بتقدير الأراضي . وقد رثاه تلميذه عزّ الدين محمد بن الحسن الإربليّ بقوله [ الطويل ] : قضى أفضل الدنيا فلم يبق فاضل * وماتت بموت الخونجيّ الفضائل فيا أيّها الحبر الذي جاء آخرا * فحلّ لنا ما لم تحلّ الأوائل ومستنبط العلم الخفيّ بفكرة * بها اتّضحت للطالبين المسائل وفاتح أبواب المشكلات بها لنا * فلم يسم أولاه بها المتطاول « 4 » وبحر إذا قيس البحار بعلمه * غدا علمه بحرا وتلك الجداول « 5 » فليت المنايا عنه طاشت سهامها * وكانت أصابت من سواه المقاتل أيدري بمن قد سار حامل نعشه * غداة أجنّوه ومن هو حامل ؟
--> ( 1 ) الجمال يحيى بن عبد المنعم ( ت 680 ) ، طبقات السبكيّ 8 / 355 ( 1250 ) . ( 2 ) كتاب الجمل نشرة المرحوم سعد غراب ، تونس د . ت . ( 3 ) الرّزّة : حديدة يدخل فيها القفل . ( 4 ) قراءة الشطر الأوّل عسيرة والشكل من المؤلّف . ( 5 ) في المخطوط ، وحبر إذا . . .